السبت، 15 فبراير 2014

الاسطورة

(فى الطفولة والجنون والإبداع والتصوف)

د. رفعت محفوظ

تعبر الأسطورة عن الوحدة الشاملة بين الإنسان والعالم، فالإنسان القديم أحس فى أعماقه أن حياته ترتبط بنظام الكون ولا تنفصل عنه وأن جذوره مغروسة فى الطبيعة،وجاءت الأسطورة كتعبير مباشر عن وحدة الوجود وعن حضور الإنسان المباشر فى العالم وعن وعيه بهذا الوجود. والفكر الأسطورى – فى نظر بعض المفكرين – هو أساس كل نشاط شامل وموحد للفكر الإنسانى، موضوعه دائماً الواقع الكلى والمطلق.
تفسير الأسطورة:
هناك وجهات نظر عدة لتفسير الأسطورة، سوف نكتفى هنا بالإشارة إلى أهمها .. فوجهة النظر الوجودية ترى أن الأسطورة لا يمكن تفسيرها بالرمز والتورية ولكنها تحتوى فى ذاتها على تفسيرها، والوعى الأسطورة يشمل الوحدة الأصلية للشعور والعالم، الوحدة السابقة على التأمل وانعكاس الذات على نفسها. أما التفسير المجازى فيعتبر الأسطورة قصة مجازية الهدف منها إخفاء معنى عميق لمنع نتسرب حقائق عظيمة إلى أيدى من يسئ إليها. والتفسير الرمزى يرى فى الأسطورة قصة رمزية تعبر عن فلسفة كاملة وجدت فى عصور قديمة. ولقد اعتبر فرويد – من منطلق التفسير النفسى – الأسطورة كشئ يعبر عن دوافع وقوى نفسية دائمة غير معترف بها، ولذلك أطلق على هذه الداوفع أسماء شخصيات أسطورية أغريقية، فى حين أن رؤية يونج للأسطورة،و هى من أعمق التفسيرات النفسية، ترى أن الأساطير العظيمة هى النماذج الأصلية "للاشعور الجماعى" أو "النفس الموضوعية"، حين نجد هذه الأساطير دائما وأبدا وإرادة عبر تاريخ البشرية وآدابها فى جميع أنحاء العالم، أنها تصور أعمق أفكار الجنس البشرى وأحاسيسه. أما المدخل الأنثروبولوجى لتفسير الأسطورة فيعتبرها نتاج تركيبات العقل البشرى المتناغمة، وبعد أن تأخذ الأسطورة مكانها بين مجموعة معينة نجد أنها تأخذ مكانها فى تركيبة عقلية محددة، وبناء على ذلك فأنه، فى النهاية، سوف تتجلى الأسطورة أكثر اتساقا من التاريخ.
بين الأسطورة والفلسفة:
يعتبر بعض المفكرين أن الفلسفة قد اكتشفت فى الأسطورة البناء الوجودى، والصورة الأصلية التى تعبر عن ارتباط الإنسان بالواقع والحياة، ويكون العلو الدينى حالا فى الواقع المحسوس وليس مفارقاً له.
وقد اعتبر بعض فلاسفة اليونان أن الأسطورة هى الحقيقة فى صورتها الرمزية، وعلى الفلاسفة أن يرفعوا الحجاب عن هذه الحقيقة الرمزية، فكأن الأسطورة تخفى الحقيقة، وتجئ الفلسفة لإظهارها. إذن فالوعى الفلسفى – عند البعض – نشأ عن الوعى الأسطورى، والفكر الأسطورى سابق على الفكر الفلسفى الذى حاول بقدر المستطاع أن يستقل عنه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق